Ultimate magazine theme for WordPress.
فوق هيدر

” في خطورة الحكم العقدي على الناس”

72

 المفكر الشيوعي عبد الرحمان الشرقاوي؛ أديب مصري وكاتب مسرحيات ومفكر؛ له كتب عديدة في الاسلاميات.. وأغلب كتبه مثل “محمد رسول الحرية” و كتبه عن “الائمة الاربعة” و”ابن تيمية” ومسرحياته مثل “الحسين شهيدا” جرت عليه انتقادات شديدة؛ بل “مظاهرات” في بعض العواصم العربية في الستينات؛ بحجة أنه يشوه التاريخ الاسلامي ويخدم أجندة يسارية..
يقول عنه صديقه المفكر الاسلامي نجيب الكيلاني في مذكراته:(( التقيت عبد الرحمان الشرقاوي مصادفة في المسجد النبوي بالمدينة المنورة؛ في موسم حج 1981؛ وكانت ترافقه السيدة حرمه، وكان يلبس جلبابا أبيض ونظارة سميكة.. وكان يتحدث حديث “المؤمن الصادق”!! ؛ ولم يكن يشوب تصرفاته شائبة من “مراء أو ادعاء”؛ وأنا على يقين من أن الرجل كان “طيب القلب”، وكان نصيرا للحرية مدافعا عن حقوق الفقراء..)).انتهى..
لقد مات عبد الرحمان سنة 1987 .. وأغلب الناس يحكمون عليه من خلال ما سمعوا عنه؛ قائلين: ” لقد كان ملحدا عدوا لله” !! وهؤلاء من ” الذين لا يعلمون”.. أما الراسخون في العلم فيقولون :” اللهم ارحم عبد الرحمان.”

أقول: دائما عندما أعامل شخصا “لا يجاهر بمعاداة الله ورسله” ؛ ألزم نفسي بحسن الظن به.. و بأنه قد يملك “سرا بينه وبين الله” يتجاوز الظاهر الذي يبدو عليه؛ واستحضر قول أهل الله :” كل من لقيته، اعتبره سيدنا الخضر؛ ولا تتعجب أو تتسرع الحكم عليه.”..

كما أني أتذكر “تواضع وحذر العارفين بالله”؛ كسيدي عمر بن الخطاب رضي الله عنه؛ الذي قال : ( لو نادى منادي يوم القيامة، أن كل الناس في الجنة إلا واحد، لظننت أني أنا ذلك الواحد.” .. فهذه مقولة تأسيسية في “آداب النقد العقدي”، إنه عمر بن الخطاب، الفاروق، المحدث في هذه الامة، أي يسمع كلام الملائكة، الهارب الشيطان من طرقه وأنواره؛ الصحابي الذي بشره النبي بالجنة.. ومع كل هذه الضمانات يتهم نفسه، ويتحفظ في حسم أمر الجنة والنار..
لأن القضية عند سيدنا عمر أعظم من كونه مسلم.. واعظم من أنه صحابي.. وأعظم من أنه مبشر بالجنة.. وأخطر من أنه عاش مسلما..أو أنه عاش مجاهدا يخدم الاسلام !!..

القضية في جوهرها وحقيقتها؛ قضية “عقدية قلبية باطنية خفية” ؛ ميزانها أدق مما نتصور ونتخيل؛ “ميزانها” لا يمكن تصور طريقة اشتغاله؛ إنه “ميزان الاخلاص” التي لا يعرفه ولا يستوعبه حتى الملائكة المقربون ..

إنك حين تسمع حديث النبي (ص) يحدد فيه ” أول من تسعر بهم نار جهنم” وهم ثلاثة: (مجاهد، وقارئ قرآن، ومتصدق.) وكلهم عاشوا في الظاهر “مسلمين” مثلنا نحن.. وتفهم بأسلوب المخالفة أن جهنم “لن تسعر” ابتداء “لا بيهودي” و “لا بنصراني” و لا ببوذي” !!.. تكتسحك، إن كنت صادق التوجه الى الله، لفحة من (الخوف والوجل والارتياب والارتباك والشفقة) .. ويتزلزل باطنك؛ وتخرج على الناس راكضا كالأحمق تجأر في الطرقات !!.. تقول كما قال أحد الصحابة الاجلاء في مثل هذه اللحظة :” نافق حنظلة يارسول الله!! .. ثم تمسك “لسانك وقلمك” عن الحكم على (أعيان الناس)..
وتقرر منذ اليوم، أن تشتغل على نفسك أولا؛ وتسيطر على أهوائك وميولاتك و كبرك و ادعاءاتك !! ، وتفارق تزكيتك الحمقاء لنفسك.. و”سوء ظنك” بخلق الله وعياله.. وتعلم علم اليقين ان عباد الله ” لست عليهم بمسيطر”.. وأن لا أحد له الحق في تزكية نفسه ” بل الله يزكي من يشاء”..
لن تستطيع بعد اليوم أن تشير على “فلان أو فلانة” بأنه من أهل الجنة أو النار.!!؟؟..
تأدب؛ فلولا ستره سبحانه؛ لهرب الناس منك؛ وقد قال أهل الله :” لو تكاشفتم؛ ما تدافنتم.”.. وما يدريك لعل الله قد أذن – بعد أن لم يبق بينهم وبين النار الا دراع – بالعفو عنهم وأدخلهم الجنة ..و قضى سبحانه – بعد أن لم يبق بينك أنت المسلم وبين الجنة الا ذراع – عليك بالإبعاد؛ فمقتك وأدخلك النار !!
فمابالنا “نحكم على الناس ونصنفهم” كأننا دخلنا الجنة؛ وليس “بشرنا بها” فقط!!..

أخشى أن تكون الكثير من “الأسماء المثيرة للجدل عقديا
“في واقعنا المعاصر ؛ قد سبقتنا إلى الجنة “بعمل وإنجاز خفي” أو “بقلب خاشع نقي” أو “بإيمان مكتوم” لم يحن وقت إعلانه.. أو “بصدقة صغيرة مخفية بينها وبين الله” تماما (كالبغي الإسرائيلية التي سقت الكلب) فنظر الله إلى قلبها، فشكر لها، فغفر لها، فأدخلها الجنة!!..
فمابالك بمن قد تكون سقت يوما “جريحا مسلما مجاهدا ينزف – وليس حيوانا – على أبواب بيت المقدس”..
و”قتلت” وهي “تصدح بالحق” على الأرض التي “باركنا فيها للعالمين” !!..

لقد علمنا أرباب التربية السلوكية قائلين: “عش بين الناس منكسرا، ولا تحمل عليهم الميزان”..
رجاء أيها “المتدينون” ألقوا الميزان من أيديكم، و أخرجوه من عقولكم؛ فالله هو وحده ” العدل” سبحانه؛ الذي (رفع السماء ووضع الميزان).

 

بقلم: عبد الخالق حسين/ كلميم

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.